السيد كمال الحيدري
126
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
منفذاً وطريقاً يُقرّبها من تحقيق أهدافها ، حتى عُرف في الأوساط العامّة بأن الساسة الناجحين والمؤثّرين في مجتمعاتهم ، هم رموز لا ينبغي مسّها أو الطعن بها أمام أسماع الرعية ، وهذا هو ما يدعو الساسة إلى الاندكاك بالرمزية ؛ لما للرمزية من إمكانات هائلة توفّر مناخات القدسية والحصانة للمتلبّسين بها ، والتي تُوفّر أيضاً قنوات إقناعية تختصر لأصحابها الوقت والجهد . فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان رمزاً فريداً من نوعه ، امتلك قلوب رعيّته فتسابقوا للذود عنه وأملهم الشهادة بين يديه . كما أن هنالك مواقع وموارد حسّية سجّلت لها بُعداً رفيعاً في عالم الرمزية ، وسوف نقف عند شاهد تأريخي واحد يُقرّب لنا تغلغل الرمزية في محاكاة الحقائق الكبرى ؛ وأما الشاهد فهو فدك ، وفدك نحلة نحلها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام لتقتات منها هي وعيالها ، ولكن القوم منعوها هذا الحقّ النبوي بعد رحلة الرسول صلى الله عليه وآله مُحتجّين بأنَّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة « 1 » . فكان ما كان ، ولم تعد فدك لولاة الأمر الشرعيين إلا في عهد متأخّر « 2 » ، ثمَّ سُلبت عنهم مرّة أُخرى ، وإلى يومنا هذا . وما يعنينا في ذلك هو تحوّل فدك إلى رمز تأريخي يُشار من خلاله إلى الحقّ
--> ( 1 ) روى البخاري : أنَّ فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وآله فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وآله تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وآله التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : لا نورِّث . ما تركنا فهو صدقة . انظر : صحيح البخاري : ج 4 ، ص 209 . ( 2 ) كان ذلك في عهد عمر بن عبد العزيز ، حيث أعادها لأبناء فاطمة عليهم السلام ، ولكن سرعان ما سلبها الأمويون مرّة أُخرى بعد وفاته ، علماً بأنه لم يُسلّمها لسيّدهم آنذاك وهو الإمام علي بن الحسين عليه السلام ، وإنما سلَّمها لأبناء الإمام الحسن عليه السلام . .